الشيخ الأميني
27
موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )
فلم يدع العلم والدين ابن مسعود ومن معه من المؤمنين أن يمرّوا على ذلك المنظر الفجيع دون أن يمتثلوا حكم الشريعة بتعجيل دفن جثمان كلّ مسلم ، فضلا عن أبي ذر الذي بشّر بدفنه صلحاء المؤمنين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فنهضوا بالواجب فأودعوه في مقرّه الأخير والعيون عبرى ، والقلوب واجدة على ما ارتكب من هذا الإنسان المبجّل ، فلمّا هبطوا يثرب نقم على ابن مسعود من نقم على أبي ذر ، فحسب ذلك الواجب الذي ناء به ابن مسعود حوبا كبيرا ، حتى صدر الأمر بجلده أربعين سوطا ، وذلك أمر لا يفعل بمن دفن زنديقا لطمّ جيفته فضلا عن مسلم لم يبلغ مبلغ أبي ذر من العظمة والعلم والتقوى والزلفة ، فكيف بمثل أبي ذر وعاء العلم ، وموئل التقوى ، ومنبثق الإيمان ، وللعداء مفعول قد يبلغ أكثر من هذا . أيّ خليفة هذا لم يراع حرمة ولا كرامة لصلحاء الأمّة وعظماء الصحابة من البدريّين الذين نزل فيهم القرآن ، وأثنى عليهم النبيّ العظيم ؟ وقد جاء في مجرم بدريّ « 1 » قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا قال عمر : إئذن لي يا رسول اللّه فأضرب عنقه ، فقال : مهلا يا بن الخطّاب إنّه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعلّ اللّه قد اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإنّي غافر لكم « 2 » . واختلق القوم حديثا لإدخال عثمان في زمرتهم لفضلهم المتسالم عليه عند الأمّة جمعاء ، كأنّ الرجل آلى على نفسه أن يطلّ على الأمّة الداعية إلى الخير ، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، بالذلّ والهوان ، ويسرّ بذلك سماسرة الأهواء من بني أبيه ، فطفق بمراده ، واللّه من ورائهم حسيب . والمدافع إن أعوزته المعاذير تشبّث بالطحلب فقال « 3 » : حداه إلى ذلك الاجتهاد ! ذلك العذر العام المصحّح للأباطيل ، والمبرّر للشنائع ، والوسيلة المتّخذة لإغراء / بسطاء
--> ( 1 ) هو حاطب بن بلتعة حين كتب إلى كفار قريش كتابا يتنصّح لهم فيه . ( 2 ) أحكام القرآن : 3 / 535 [ 3 / 435 ] . ( المؤلّف ) ( 3 ) راجع : التمهيد للباقلاني : 221 [ ص 231 ] الرياض النضرة : 2 / 145 [ 3 / 82 ] ، الصواعق : ص 68 [ ص 113 ] ، تاريخ الخميس : 2 / 268 . ( المؤلّف )